هي المنطقة التاريخية الواقعة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، في جنوب شرق آسيا.
الأرض تمتلك المنطقة أرض متنوّعة جدا، تقسم عموما إلى أربعة مناطق وهي من الغرب الي الشرق السهل الساحلي، التلال وجبال الخليل، وادي الأردن، و الهضبة الشرقية. في أقصى الجنوب هناك صحراء النقب. تتراوح الإرتفاعات من 395 قدم تحت مستوى البحر على شواطئ البحر الميت، وهي أخفض نقطة على سطح الأرض، إلى 1020 قدم في أعلى قمم جبال الخليل.
تمتلك المنطقة عدّة مناطق خصبة. إمدادات المياه للمنطقة ليست وفيرة. نهر الأردن هو النهر الوحيد في المنطقة، يتدفق جنوبا خلال بحيرة طبريا (بحيرة الماء العذبة الوحيدة في المنطقة) إلى البحر الميت الشديد الملوحة.
التاريخ العرب الكنعانيون كانوا أول السكان المعروفين لفلسطين. خلال الألف الثالثة قبل الميلاد وقد أصبحوا مدنيين يعيشون في دول ومدن منها أريحا. طوّروا أبجدية ومنها إشتقّت أنظمة كتابة آخرى. موقع فلسطين في مركز الطرق التي تربط الثلاث قارات جعل لها موقع للإجتماع الديني و التأثير الثقافي على مصر، سوريا، بلاد ما بين النهرين، وآسيا الصغرى. وكانت أيضا ساحة للحروب بين القوى العظمى في المنطقة و خاضعة لهيمنة الإمبراطوريات المجاورة، بدأ بمصر في ألفية الثالثة قبل الميلاد. الهيمنة المصرية والحكم الذاتي للكنعانيين كانا بشكل دائم في تحدّ خلال ألفية الثانية قبل الميلاد من قبل غزاة متنوّعين عرقيا كالعموريون، هيتيتيس، وهورريانس. على أية حال، هزم الغزاة من قبل المصريين والكنعانيون.
بدأت السلطة المصرية بالضعف بعد القرن الرابع عشر قبل الميلاد، المحتلون الجدّد ومنهم العبرانيين وهم مجموعة من القبائل السامية من بلاد ما بين النهرين، و الفلستينيين (بعد ذلك سميت البلاد باسمهم)، وإيجي وهم شعوب من أصل هندي أوروبي.
مملكة إسرائيل بعد خروج القبائل العبرية من مصر (1270 قبل الميلاد) قاموا بغزو مدن الكنعانيين. وتم لهم بقيادة جوشوا السيطرة على أجزاء من فلسطين (1230 قبل الميلاد). أستقر العبرانيون في تلال البلاد، لكنّهم كانوا غير قادرين على السيطرة على كلّ فلسطين. الإسرائيليون، وهم إتحاد القبائل العبرية، أخيرا هزموا الكنعانيون حوالي 1125 قبل الميلاد. لكن تم غزوهم و قوتلوا قتالا شديدا من قبل الفلستينيين. حيث أسّس الفلستينيين دولة مستقلة لهم على الساحل الجنوبي لفلسطين وسيطروا على مدن الكنعانيين بما فيها القدس. وبما كان لهم من قيادة عسكرية منظمة ولإستعمالهم الأسلحة الحديدية، هزموا الإسرائيليين بشدة حوالي 1050 قبل الميلاد.
التهديدات المخّتلفة أجبرت الإسرائيليين على التوحد وتأسيس الحكم الملكي. نبي الله داهود علية السلام، هزم الفلستينيين أخيرا بعد قليل من سنة 1000 قبل الميلاد، وتم لهم كامل السيطرة على أرض كنعان. وحدة إسرائيل وضعف الإمبراطوريات المجاورة مكّنا داهود من تأسيس دولة مستقلة كبيرة عاصمتها في القدس. في عهد إبن داهود ووريث، نبي الله سليمان علية السلام، تمتّع نبي إسرائيل بالسلام و الإزدهار، لكن مع موته في 922 قبل الميلاد قسّمت المملكة إلى إسرائيل في الشمال ويهودا في الجنوب.
عندما أستأنفت الإمبراطوريات القريبة توسعها، لم يستطع الإسرائيليون المقسّمون في الإبقاء على إستقلالهم. سقطت إسرائيل إلى الإمبراطورية الآشورية في 722-721 قبل الميلاد، ويهودا هزمت في 586 قبل الميلاد من قبل بلاد بابل، الذين حطّموا القدس ونفوا أغلب اليهود الذين يعيشون فيها.
الحكم الفارسي اليهود المنفون سمح لهم بالمحافظة على هويتهم ودينهم، بعض من أفضل الكتب اللاهوتية والعديد من الكتب التاريخية و منها العهد القديم كتب خلال فترة النفي أو ما عرف بالسبى البابلي. عندما حكم سيروس العظميم بلاد فارس قهر بلاد بابل في 539 قبل الميلاد أجاز لليهود العودة إلى يهودا وهي منطقة في فلسطين. تحت الحكم الفارسي سمح لليهود بالحكم الذاتي. جدّدوا جدران القدس وصنّفوا التوراة التي أصبحت رمز الحياة الإجتماعية والدينية.
الحكم الروماني الحكم الفارسي لفلسطين إستبدلت بالحكم اليوناني عندما أحتل الأكسندر الأكبر المقدوني المنطقة في 333 قبل الميلاد. ورثة الأكسندر، بتوليميس وسيليوسدس، واصلوا حكم البلاد. سيليوسدس حاول أن يفرض الثقافة والديانة الهيلانية (اليونانية) على السكان. في القرن الثاني قبل الميلاد، تمرّد اليهود تحت ماكابيس وبدأ دولة مستقلة (141 - 63 قبل الميلاد) حتى قهرهم بومبي العظيم من روما وجعلها مقاطعة حكمت من قبل الملوك اليهود.
خلال حكم الملك هيرود العظيم (37-4 قبل الميلاد) ولد سيدنا عيسى علية السلام. كان هناك ثورتان لليهود وقمعتا في 66-73 و 132-35. بعد الثانية، قتل عدد كبير من اليهود، والعديد بيع كعبيد، أما البقية فلم يسمح لهم بزيارة القدس. بدل أسم يهودا إلى إسم سوريا فلستينيا.
لاقت فلسطين إهتمام خاصّ عندما زارت القدس الإمبراطورة هيلينا أم الإمبراطور الروماني قسطنتين الأول الذي شرع المسيحية وأعلنها ديانة للدولة في 313 ميلادي. أصبحت القدس بؤرة للحجّ المسيحي. وكان لها عصرا ذهبيا من الإزدهار، الأمن، والثقافة. أغلب السكان أصبحوا مسيحيين.
قطع الحكم البيزنطي (الروماني) خلال فترات قصيرة بغزوات فارسية وأنهى تماما عندما فتحت الجيوش العربية الإسلامية فلسطين والقدس في العام 638.
الخلافة الإسلامية الغزو اإسلامي بدأ حكم أسلامي لفلسطين لمدت 1300 سنة. كانت فلسطين مقدّسة للمسلمين لأن الله أمر سيدنا محمد بأن تكون القدس القبلة الأول للمسلمين ( الإتجاه الذي يواجهة المسلم عندما يصلّي) ولأنة صلي الله علية وسلم صعد في ليلة الإسراء و المعراج في رحلة إلى السماء من المدينة القديمة للقدس (المسجد الأقصى اليوم)، حيث بني المسجد الإقصى و مسجد قبة الصخرة بعد ذلك.
أصبحت القدس المدينة الأقدس الثالثة للإسلام. الحكام المسلمون لم يجبروا دينهم على الفلسطينيين، وخلال أكثر من قرن تحول الأغلبية إلى الإسلام. المسيحيون واليهود الباقون إعتبروا أهل الكتاب. وسمح لهم السيطرة المستقلة ذاتيا في مجتمعاتهم وضمن لهم أمنهم وحريتهم في العبادة. مثل هذا التسامح كان نادر في تاريخ الأديان و في تاريخ فلسطين.
أكثر الفلسطينيين تبنّوا العربية والثقافة الإسلامية. فلسطين إستفادت من التجارة مع الإمبراطوريات المجاورة ومن أهميتها الدينية خلال الحكم الأموي الإسلامي في دمشق. عندما إنتقلت السلطة إلى بغداد مع العباسيين في 750، أصبحت فلسطين مهملة. عانت البلاد بعد ذلك من الإضطراب والهيمنة المتعاقبة من قبل السلجوقيين، الفاطميين، والغزوات الصليبية. شاركت فلسطين، على أية حال، في مجد الحضارة الإسلامية، عندما تمتّع العالم الإسلامي بعصر ذهبي من علم، فنّ، فلسفة، وأدب. حيث بدأ المسلمون تعلّم العلوم اليونانية وبدأوا طريقا جديدا في عدّة حقول، بعد سنين كان لكلّ ذلك مساهمة كبيرة في عصر النهضة في أوروبا.
الحكم العثماني الأتراك العثمانيون من آسيا الصغرى هزموا المملوكيين في 1517، وحكموا فلسطين حتى شتاء 1917. البلد كان قد قسّم إلى عدّة مناطق (سناجق) منها القدس. إدارة المناطق وضعت بشكل كبير في أيادي العرب الفلسطينيون. المسيحييون و اليهود، على أية حال، سمح لهم بكل الحريات الدينية والمدنية. إشتركت فلسطين في مجد الإمبراطورية العثمانية خلال القرن السادس عشرة، لكن ضعف ذلك المجد ثانية للإمبراطورية في القرن السابعة عشرة.
ضعف فلسطين في التجارة، الزراعة، والسكان إستمرّ حتى القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت في بحث الأوروبيين عن الخام والمواد والأسواق، بالإضافة إلى مصالحهم الأستراتيجية، جلبهم إلى الشرق الأوسط. بين 1831 و1840، محمد علي، الوالى العثماني على مصر، حاول توسيع حكمة إلى فلسطين. سياساته حسنت الحال الأقتصادية حيث زادت الزراعة، وتحسن التعليم. عادت السلطة للإمبراطورية العثمانية ثانية في 1840، وفرضت إصلاحاتها الخاصة.
تصاعد القومية الأوروبية في القرن التاسعة عشرة، وخصوصا مع أنتشار اللاسامية، شجّع اليهود الأوروبيين لطلب اللجوء الى "أرض الميعاد" في فلسطين. ثيودور هيرزل، مؤلف كتاب الدولة اليهودية (1896)، أسّس المنظمة الصهيونية العالمية في 1897 لحملّ أوروبا على حل "المشكلة اليهودية". كنتيجة لتزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين بشّدة في 1880، العرب الفلسطينيون وهم حوالي 95 بالمائة من السكان بدأوا يشعرون بالتخوف من هجرة اليهود وشراء الأرض ومن ثمّ تحولت الى معارضة للصهيونية.
الإنتداب البريطاني بمساعد من قبل العرب، أحتل البريطانية فلسطين من الأتراك العثمانيين في 1917 - 1918. العرب تمرّدوا ضدّ الأتراك لأن البريطانيين وعدوهم، في 1915-1916 من خلال المراسلات مع الشريف حسين إبن علي والى مكة المكرمة، بإستقلال بلدانهم بعد الحرب. بريطانيا، على أية حال، قدمت إلتزامات متعارضة أخرى في السرّ من خلال إتفاقية سيكيس بيكوت مع فرنسا وروسيا 1916، بالتعهد بتقسيم وحكم المناطق العربية مع حلفائها. في إتفاقية ثالثة، في وعد بلفور 1917، وعدت بريطانيا اليهود بالمساعدة على تاسيس "وطن قومي" في فلسطين.
هذا الوعد دمج بعد ذلك في صك الإنتداب الممنوح لبريطانيا من عصبة الأمم في 1922. خلال إنتدابهم من 1922 الى 1948،البريطانيون وجدوا أن وعودهم المتناقضة إلى اليهود و العرب الفلسطينيين صعبة التوافق. تصوّر الصهاينة بفتح الهجرة اليهودية بشكل واسع النطاق، والبعض تكلّم عن دولة يهودية تشمل كلّ فلسطين. الفلسطينيون، على أية حال، رفضوا قيام بريطانيا بتقديم بلادهم إلى طرف ثالث و هم لا يملكونها، حدثت الهجمات المضادة للصهيونية في القدس في 1920 ويافا في 1921.
في 1922 في بيان سياسي للحكومة البريطانية تم أنكار طلبات الصهيونية بالحصول على كلّ فلسطين وحدّدت الهجرة اليهودية، لكن تم أعادت التأكيد على دعم بريطانيا للوطن القومي لليهود. و قدم أقتراح بتأسّيس مجلس تشريعي، رفض الفلسطينيون هذا المجلس لكون التمثيل فية عدم عدالة.
في 1928، عندما زادت الهجرة اليهودية بعض الشّيء، السياسة البريطانية تجاه الهجرة تأرجح تحت تضارب الضغوط العربية واليهودية. الهجرة تزايدة بحدّة بعد أضهاد النظام النازي في ألمانيا لليهود سنة 1933. في 1935 تقريبا حوالى 62,000 يهودي دخلوا فلسطين.
الخوف من الهيمنة اليهودية كان السبب الرئيسي للثورة العربية التي إندلعت في 1936 وإستمرّت بشكل متقطّع حتى 1939. في ذلك الوقت حدّدت بريطانيا الهجرة اليهودية ثانية ومنعت بيع الأرض لليهود.
فترة مابعد الحرب العالمية الثانية الكفاح الفلسطين، الذي توقف خلال الحرب العالمية الثانية، إستأنف في 1945. الرعب من المحرقة النازية المزعومة أنتج عطفا عالميا و أوروبي لليهود وللصهيونية، وبالرغم من أن بريطانيا ما زالت ترفض هجرة 100,000 يهودي إلى فلسطين، العديد من اليهودي وجد طريقهم الى هناك بشكل غير قانوني.
الخطط المختلفة لحلّ مشكلة فلسطين رفضت من طرف أو آخر. أعلنت بريطانيا أن الإنتداب فاشل وحولت المشكلة إلى الأمم المتّحدة في أبريل/نيسان 1947. اليهود والفلسطينيون أستعدوا للمواجهة. بالرغم من أن الفلسطينيون فاقوا عدد اليهود (1300000 إلى 600000)، اليهود كانوا مستعدّين أفضل. إمتلكوا حكومة شبة مستقلة، تحت قيادة ديفيد بن جوريون، وجيشهم، الهاجانا، كان مدرّب بشكل جيد. الفلسطينيون لم يكن لهم الفرصة للتجهز منذ الثورة العربية، وأغلب زعماء الثورة كانوا في المنفى أو سجون الإنتداب البريطاني.
مفتي القدس، والناطق الرئيسي للفلسطينيين، رفض القبول بالدولة اليهودية. عندما قررت الأمم المتّحدة تقسيم فلسطين في نوفمبر/تشرين الثّاني 1947، رفض العرب الخطة بينما قبلها اليهود. في الحرب العسكري التي بدأت بعد أنهاء بريطانيا للإنتداب هزم العرب والفلسطينيون.
قامت إسرائيل في 14 مايو/أيار 1948، جائت خمس جيوش عربية لمساعدة الفلسطينيين، وقامت بالهجوم فورا. عدم التنسيق وأسباب آخرى كانت السبب في هزيمة الجيوش العربية. إسرائيل أحتلت أكثر مما كان مقررا لها في قرار التقسيم. في حين أخذت الأردن الضفة الغربية من نهر الأردن، ومصر أخذت قطاع غزة. (إحتلّت إسرائيل هذه الأراضي بعد حرب الأيام الستّة 1967.) نتج عن الحرب 780,000 لاجىء فلسطيني. جزء منهم تركوا بيوتهم من الخوف والرعب، بينما البقية أجبرت على الخروج. الفلسطينيون مع إنتشارهم خلال البلدان المجاورة، أبقوا على هويتهم الوطنية الفلسطينية والرغبة في العودة إلى وطنهم.
بدأت الدولة العثمانية خطواتها الأولى في الأناضول (جنوب شرق تركيا الحالية) في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وراح العثمانيون يوسعوا حدودهم غربا، ففتحوا نيقية وأدرنة والكثير من أراضي الدولة البيزنطية، حتى صارت القسطنطينية/عاصمة البيزنطيين، محاصرة بالأرض العثمانية، واستشعر سلاطين أوروبا في بيزنطة والمجر وسائر شرق أوروبا، بالخطرَ الزاحف عليهم من الشرق، من قبل الإمبراطورية العثمانية، فقاد ملك المجر حملته الصليبية الكبيرة لسحق العثمانيين، والوصول إلى القدس!! لم تكن أوروبا بشرقها وغربها في هذا الوقت، قد نسيت القدس بعد، بل أدركت أن الطريق إلى القدس لا يمكنهم الوصول إليه، إلا بإضعاف الأجزاء القوية في الجسد العثماني الإسلامي الكبير، وكان العثمانيون حينئذ أقوى قوة في العالم الإسلامي. استنجد ملك المجر في حملته بالبابا الكاثوليكي، وبملوك أوروبا، لإنقاذ المجر والدولة البيزنطية من العثمانيين، فأتته قوات من فرنسا وألمانيا وهولندة وإنجلترا وأسبانيا وإيطاليا، وبلغ تعداد جيشه مائة وثلاثين ألف مقاتل، عبر بهم نهر الدانوب، وكله ثقة، من سحق العثمانيين، وراح يرسم فوق فرسه خريطة لأحلامه ودولته الواسعة التي سيحكمها، ممتدة من شرق أوروبا، ومخترقة الأناضول، إلى سواحل البحر المتوسط الشرقية، ومدينة بيت المقدس. عبرت القوات الأوروبية نهر الدانوب، والقرن الثامن الهجري يوشك على الانتهاء، فلقيهم القائد العثماني (با يزيد) في تسعين ألف مقاتل في معركة 'نيكوبولى'، فتحولت أحلام سيجموند وجيشه إلى سراب خادع، وهزموا، وأسر كثير من أشرافهم وأمرائهم. كان هذا من العثمانيين دفاعا عن القدس، وسائر العالم الإسلامي عن بُعد، حتى قبل أن يضعوا أقدامهم في مدينة بيت المقدس، ويضموها إلى الإمبراطورية العثمانية الكبيرة عام (923 هجرية)، أيام السلطان سَليم الأول. فنالت القدس في دولة السلطان سليمان القانوني اهتمامًا كبيرا منه، لم يتيسر لها مثله مع بقية سلاطين الدولة العثمانية، كان السلطان عبد الحميد الثاني، واحدا من أهم سلاطين آل عثمان، الذين سجلوا مواقف مجيدة لصيانة القدس وفلسطين. مرت القدس في العهد العثماني الطويل بعدة أزمات، إما بسبب سوء النظام الإداري، وإما لسوء أحوال الدولة عمومًا، خاصة في أواخر عهد الدولة العثمانية، ومع زيادة ربط القدس بالعالم الخارجي، خرجت القدس عن التاج العثماني خروجا قصيرًا في القرن التا الذين استبشروا بالعثمانيين، ليتناول معهم الطعام في الفناء الواسع حول الصخرة، وعزم على تجديد سور المدينة المقدسة، لكنه توفي قبل تنفيذ هذا العمل، الذي قام به فيما بعد، ابنه السلطان سليمان القانوني، وأتمه عام 946 هـ. بهذا دخلت القدس عهدا جديدا من عهودها، استمر حتى القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي.
السلطان سليمان القانوني والقدس: بالرغم من الفتوحات الكثيرة، والتوسعات الهائلة، التي حققها السلطان الكبير سليمان القانوني في أوروبا، حتى خاضت قواته معارك على أبواب فيينا-فإن القدس البعيدة عن عيني السلطان، لم تكن بعيدة عن اهتماماته، شأنها شأن الحرمين الشريفين في مكة والمدينة. فالسلطان سليمان القانوني-كما يقول عارف باشا العارف-جدد عمارة سور القدس.. 'وجدد البرج الكائن على يمين الداخل من باب الخليل عام 946 هـ (1538م)، وعمر بركة السلطان على طريق المحطة، والسبيل الواقع قبالة البركة المذكورة، والسبل الكائنة بباب السلسلة أمام المدرسة التنكزية، وفي طريق ألواد، وفي ساحة الحرم، إلى الشمال من باب شرف الأنبياء، وفي طريق باب الناظر، وبالقرب من باب الأسباط-عام 944هـ (1536م) وقد عمر قبة الصخرة عام 950 هـ (1542م) وأعاد تبليطها، كما عمر جدران الحرم وأبوابه، وسد الباب الذهبي من أبواب الحرم، وفتح الباب المعروف بباب (ستنا مريم). وجدد القاشاني الكائن في قبة السلسلة (1561م)، وعلى عهده أنشئت التكية المعروفة بتكية خاصكي سلطان في عقبة المفتي، أنشأتها زوجته الروسية روكسيلانة (1552م) والمدرسة الرصاصية بحارة ألواد (1540م) التي أنشأها الأمير بايرام، الذي كان ناظرًا لعمارة السور، كما أنشأ مسجد الطور (153سع عشر، ثم عادت إليه عام 1841م، حتى زالت السلطة الإسلامية عن القدس، بالاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1917م بعد انتهاء الخرب العالمية الأولى. سيطرة العثمانيين على القدس: انشغل العثمانيون زمنا طويلا بالفتوح في أوروبا، غير أن السلطان سليم الأول، نظر خلفه إلى العالم الإسلامي في العراق والشام، فوجد أن نفوذ الدولة الصفوية الشيعية قد طغى وزاد، كما أن المماليك في مصر والشام، لم تعد قدرتهم كافية، لرد الأذى عن المسلمين، خاصة بعد الهزيمة المؤلمة التي لقيها المماليك في معركة (ديو) البحرية أمام البرتغاليين، وبعد أن اكتشف سليم الأول، أن المماليك على صلة بالصفويين، الذين دخل معهم في حروب طاحنة، وكذلك بعد أن رفض السلطان قانصوة ألغوري معاونة العثمانيين على الصفويين، مع أن العثمانيين، لم يبخلوا عن المماليك بالمساعدة، حين دخلوا في معاركهم ضد البرتغال. كان هذا كافيا ليشن العثمانيون حربا ضد المماليك، الذين كادوا في هذا الزمن، يفقدون أهليتهم في قيادة العالم الإسلامي، فزحف سليم الأول بقواته حتى قارب حلب، وهناك في منطقة مرج دابق، التقى بقوات المماليك، في ساحة حرب، تفاوتت فيها قوى الطرفين، فكأنها حرب بين شاب فتى، وبين شيخ قد وهنت قوته، فالعثمانيين بيدهم أحدث أسلحة، وهم أكثر مهارة في التخطيط للحرب، وانكشف الميدان بعد معركة حامية عن هزيمة المماليك ومصرع السلطان قانصوة ألغوري، وذلك عام 923 هـ. سار سليم الأول بعد هذا الانتصار، حتى دخل مدينتي حلب ودمشق، ثم دخل القدس، وزار قبور الأنبياء بها، وشاهد آثار الملوك والسلاطين، من حكموها قبله، وسمح للنصارى بالحج إلى الأماكن التي يقدسونها، وجلس مع أهل القدس،7م) في المكان الذي تقوم عليه (الآن) كنيسة الصعود. وهو الذي عهد بحراسة الدرب السلطاني بين القدس ويافا إلى آل أبي غوش، وأجازهم أن يحصّلوا من السياح بعض العوائد المادية (1520م.) مشكلات القدس في العهد العثماني: مرت القدس تحت سلطة العثمانيين بأحوال متباينة، ما بين الاستقرار والاهتزاز، تبعا لقوة الدولة وحيويتها، ومن الأزمات التي مرت بها، أن السلطان مرادً الرابع في القرن الحادي عشر الهجري (11 هجري) حرم على الناس شرب القهوة وتدخين التبغ، فاختل الأمن في القدس، وقطعت الطرق، وخرب الأشقياء ينابيع المياه، فأقام السلطان 'قلعة مراد' على طريق الخليل لضبط الأمور.في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، ثار نقيب أشراف القدس ضد السلطان أحمد الثالث، لكن ثورته أُخمدت. حين هاجم نابليون مدينة عكا في حملته الفرنسية على مصر والشام، نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، كانت القدس تابعة لولاية عكا، وخاضعة لحاكمها، وقد ابتليت عكا في هذا الزمن، بوالٍ تملأ القسوة ما بين جنبيه، هو أحمد باشا الجزار، الذي لم يفرق في ظلمه للعباد بين مسلم وذمي، ولا بين خامل وشريف. مر نابليون بقواته على مقربة من بيت المقدس، دون أن يدخلها، وصوب بصره إلى عكا، وركز اهتمامه عليها، فالقدس، ليست لها أهمية تجارية ولا عسكرية كبيرة كتلك التي حظيت بها عكا، كما أن احتلال القدس، سيثير مشاعر المسلمين ضد الحملة، أكثر مما هو قائم، وحين فشل نابليون في حملته، ولم ينجح في اقتحام عكا، كان ذلك إعلانا بتراجع حملة فرنسية جديدة للاستيلاء على المنطقة. حاولت الدولة العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني، القيام بإصلاحات في الجيش، منها إلغاء نظام الانكشارية، وهي القوات الخاصة التي اعتمدت عليها الدولة في أيامها المجيدة، لكنها صارت سببا للكثير من المشكلات والأزمات في البلاد، فقد حاصر رجال الانكشارية مصطفى آغا متسلم القدس، وحرضهم النصارى الأرمن ضد النصارى الروم، فطالبت الانكشارية بمنع الروم من عمارة كنيستهم التي أحرقها لهم الأرمن، فطلب منهم مصطفى آغا مهلة، فراحوا يخربون وينهبون كنيسة الروم، فجاء الجنود من متولي الشام، حتى دخلوا المدينة، وقبضوا على الثائرين. وقعت فتنة بين المسلمين والروم الأرثوذكس في القدس والشام، في عهد السلطان محمود أيضًا، وشارك فيها متسلم القدس وقائد حاميتها، لولا تدخل والي الشام، الذي حد من الفتنة الثائرة. جاء على الشام والي جديد، في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، فرض على الناس ضرائب أثقلت كواهلهم، وعجزت عنها أرزاقهم، فثاروا ضده عام 1824م، فأقبل الوالي بقوات كبيرة، ليحصل الضرائب من الناس بالقوة، فهرب أهل القدس منها، ولم يتركوا وراءهم شيئا، يُنتفع به، ولما جلت قوات الوالي، رجع أهل القدس إلى مدينتهم، وأشعلوا الثورة من جديد، فعاد الوالي بقواته، فاستسلموا له، على شرط تخفيف الضرائب عنهم، فوافقهم على ذلك. كان يهود القدس في العهد العثماني سلعة رائجة، فتذرعت روسيا بحمايتهم، بينما تقوم بإبادة يهود روسيا نفسها، وتذرعت إنجلترا أيضا، بحمايتهم لتسهل عملية الاستيطان الصهيوني التسللي، ولكي يحصل اليهود على مجمل الامتيازات الأجنبية، سعت قنصليتا إنجلترا وفرنسا إلى تغريب اليهود المحليين، وتسلُّل اليهود الأجانب، وهو ما ساعد على تقوية النفوذ الغربي على يهود فلسطين، وبذلك تحول ولاء اليهود في الدولة العثمانية والعالم الإسلامي كله إلى دول أجنبية، تدين لها بالولاء، وتتمتع بحمايتها. أدرك السلطان عبد الحميد الثاني مساعي اليهود للاستيطان في فلسطين، واتخاذها وطنا تجتمع فيه طوائفهم من أنحاء العالم، فرفض مطالب الزعيم الصهيوني هرتزل بفتح باب الهجرة إلى فلسطين. القدس تحت سيطرة محمد علي باشا الكبير: رسم محمد علي باشا الكبير-حاكم مصر- لنفسه أحلامًا كبيرة في تكوين دولة قوية واسعة السلطان، وبدأت أحلامه من مصر، حيث شارك المصريون في مقاومة الحملة الفرنسية، وحملة فريزر الإنجليزية سنة 1801م، كما انضم إليهم عند مقاومتهم لفساد الولاة، فولاه علماء مصر السلطة على البلاد عام 1220 هـ أي عام 1803م، بعد أن اشترطوا عليه 'أن يحكم بالعدل، ويقيم الأحكام والشرائع الإسلامية، وألا يفرض على الشعب ضرائب جديدة دون أن يرجع إلى زعمائه وعلمائه'. ركَّز محمد علي أنظاره منذ البدء على بلاد الشام القريبة منه، فوجّه إليها ابنه إبراهيم باشا في جيش قوي حتى سيطر عليها واحتل القدس عام 1831م، فأصبحت جزءًا من دولة محمد علي الكبير. لم تكن هذه نهاية الأحلام التي سعى محمد علي إلى تحقيقها، فاحتاج إلى أعداد مضاعفة من الجنود، ولم تكن مصر تفي بحاجة قواته في الشام، ففرض إبراهيم باشا التجنيد الإجباري هناك، وحاول تجريد الناس من أسلحتهم. نتج عن ذلك، أن هبت الثورة في القدس والخليل وغزة ويافا، بتشجيع من الأتراك العثمانيين، وانعدم الأمن، وسادت الفوضى في القدس، ومال أهل الذمة إلى الباشا الغازي. دخل الثوار في صراع طويل مع إبراهيم باشا و قواته، وعجز عن ضبط البلاد، بالرغم من إمداد أبيه له بالقوات، حتى تدخلت البلاد الغربية لتقف في وجه أحلام محمد علي، فحطموا جيش إبراهيم باشا في الشام، واضطروه إلى الانسحاب بفلول جيشه، تاركا خلفه القدس والشام، بعد عشر سنوات فقط من دخولها. لم تكن هذه الثورات و الاضطرابات لتخفيَ أعمالا مهمة لأسرة محمد علي في القدس، مثل إدخال أول طاحونة للقمح إلى القدس (عام 1839م)، وبناء الزاوية الإبراهيمية على جبل صهيون، إلى الشمال من ضريح النبي داود، وإنشاء سلسلة من القلاع لحراسة الطريق بين القدس ويافا. كذلك اهتم إبراهيم باشا بتحسين المواصلات في المدينة، وقاوم الرشوة والفساد الإداري، وألغى الضريبة التي كان حراس الكنيسة يجبونها من الحجاج المسيحيين، منذ زمن صلاح الدين الأيوبي، وأدخل في القدس أنواعا جديدة من المزروعات. ظن اليهود أن دخول إبراهيم باشا إلى القدس، فرصة سانحة لهم للتسلل إلى المدينة، فحاولوا عام 1837م شراء أرض زراعية وممارسة أعمال الزراعة بها، لكن أعضاء مجلس القدس الشريف، اعترضوا على ذلك ورفضوه، ورُفع الأمر إلى محمد علي باشا نفسه، فوافق على رأي المجلس بعد أن استشار ابنه إبراهيم باشا